المسعودي
277
مروج الذهب ومعادن الجوهر
قال لها الذكر : هذا أسهل أمر سألتنيه ، وأيسر أمر طلبته مني ، وقدمت لك الوعد وانا مليء بذلك ، فهاتي ما بعد ذلك ، فلما سمع الملك هذا الكلام من الموبذان عمل في نفسه ، واستيقظ من نومه ، وفكر فيما خوطب به ، فنزل من ساعته ، وترَجَّل للناس ، وخلا بالموبذان فقال له : أيها القيم بالدين ، والناصح للملك ، والمنبه على ما أغْفَله من أمور ملكه ، وأضاعه من أمر بلاده ورعيته ، ما هذا الكلام الذي خاطبتني به ؟ فقد حركت مني ما كان ساكناً ، وبعثتني على علم ما كنت عنه غائباً ، قال الموبذان : صادفت من الملك السعيد جَدُّه وقتَ سعدٍ للعباد والبلاد ، فجعلت الكلام مثلًا وموقظاً على لسان الطائر عند طلب الملك مني جواب ما سأل ، ثم قال له الملك : أيها الناصح ، اكشف لي عن هذا الغرض الذي اليه رميت ، والمعنى الذي له قصدت ، ما المراد منه ؟ والى ما ذا يؤول ؟ قال الموبذان : أيها الملك السعيد جده ، ان الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله تعالى بطاعته ، والتصرف تحت أمره ونهيه ، ولا قوام للشريعة إلا بالملك ، ولا عز للملك إلا بالرجال ، ولا قوام للرجال الا بالمال ، ولا سبيل إلى المال الا بالعمارة ، ولا سبيل للعمارة الا بالعدل ، والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة ، نصبه الرب وجعل له قيما ( 1 ) ، وهو الملك ، قال الملك : أما ما وصفت فحق ، فأبِنْ لي عما تقصد ، وأوضح لي في البيان ، قال الموبذان : نعم أيها الملك ، عمدتَ إلى الضياع فانتزعتها من أربابها وعُمَّارها ، وهم أرباب الخراج ومن تؤخذ منهم الأموال ، فأقطعها الحاشية والخدم وأهل البطالة وغيرهم ، فعمدو إلى ما تعجل من غلاتها ، واستعجلوا المنفعة ، وتركوا العمارة والنظر في العواقب وما يصلح الضياع ، وسومحوا في الخراج ، لقربهم من الملك ،
--> ( 1 ) في بعض النسخ « وجعله قديماً وهو الملك » .